القرطبي
44
التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة
وذكر ابن المبارك قال : أخبر سفيان ، أن ابن عباس قال : « إذا رأيتم بالرجل الموت فبشّروه ليلقى ربّه وهو حسن الظن به ، وإذا كان حيّا فخوّفوه بربه عزّ وجلّ » « 1 » . وقال الفضيل : « الخوف أفضل من الرجاء ما كان العبد صحيحا ، فإذا نزل به الموت ؛ فالرجاء أفضل من الخوف » . وذكر ابن أبي الدنيا ، قال : حدثنا يحيى بن عبد اللّه البصري ، قال : حدثنا سوار بن عبد اللّه ، قال : حدثنا المعتمر ، قال : قال أبي حين حضرته الوفاة : « يا معتمر حدّثني بالرخص لعلي ألقى اللّه وأنا حسن الظن به » « 2 » . قال : وحدثنا عمرو بن محمد الناقد ، قال : حدثنا خلف بن خليفة ، عن حصين ، عن إبراهيم قال : « كانوا يستحبون أن يلقنوا العبد محاسن عمله عند الموت ، حتى يحسن ظنه بربه عزّ وجلّ » « 3 » . وقال ثابت البناني : كان شاب به رهق ، فلما نزل به الموت انكبّت عليه أمه وهي تقول : يا بني قد كنت أحذّرك مصرعك هذا ، قال : يا أماه إن لي ربّا كثير المعروف ، وإني لأرجو اليوم أن لا يعدمني بعض معروفه ، فقال ثابت : فرحمه اللّه بحسن ظنه باللّه في حاله تلك « 4 » . وقال عمر بن ذر يوما في كلامه - وعنده ابن أبي داود وأبو حنيفة - أتعذبنا وفي أجوافنا التوحيد ؟ لا أراك تفعل ، اللهم اغفر لمن لم يزل على مثل حال السحرة في الساعات التي غفرت لهم ، فإنهم قالوا : آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ [ الأعراف : 121 ] فقال أبو حنيفة : رحمك اللّه القصص بعدك حرام . وكان يحيى بن زكريا إذا لقي عيسى ابن مريم عليهما السلام . عبس ، وإذا لقيه عيسى تبسّم ، فقال له عيسى : « تلقاني عابسا كأنك آيس » ؟ فقال له يحيى : « تلقاني ضاحكا كأنك آمن » ؟ فأوحى اللّه تبارك وتعالى إليهما : « إن أحبّكما إلي أحسنكما ظنّا بي » ذكره الطبري . وقال زيد بن أسلم : « يؤتى بالرجل يوم القيامة » ، فيقال : انطلقوا به إلى النار فيقول : يا رب فأين صلاتي وصيامي ؟ فيقول اللّه تعالى : « اليوم أقنطك من رحمتي كما كنت تقنط عبادي من رحمتي » .
--> ( 1 ) أخرجه ابن المبارك في « الزهد » رقم ( 441 ) . ( 2 ) أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب « حسن الظن باللّه » رقم ( 29 ) . ( 3 ) المصدر السابق رقم ( 30 ) . ( 4 ) المصدر السابق رقم ( 34 ) .